سيف الدين الآمدي
252
أبكار الأفكار في أصول الدين
قولهم : إنه ما كان عالما بأحكام الشرع . إن أرادوا به ، أنّه ما كانت جميع أحكام الشرع حاضرة عنده على سبيل التفصيل ؛ فهذا مسلم . ولكن لا نسلم أن ذلك من خواص أبى بكر ؛ بل جميع الصحابة في ذلك على السويّة « 1 » . وإن أرادوا به : أنه لم يكن من أهل الحل ، والعقد ، والاجتهاد في المسائل الشرعية ، والقدرة على معرفتها ، باستنباطها من مداركها ؛ فهو ممنوع على ما تقدم ؛ ولهذا فإنه ما من مسألة في الغالب ، إلا وله فيها قول معتبر بين أهل العلم « 2 » . قولهم : إنه أحرق فجاءة بالنار . قلنا : إذا كان مجتهدا فكل مجتهد مؤاخذ بما أوجبه ظنه ، وإذا كان قد رأى ذلك في اجتهاده ، كان هو حكم الله في حقه ، ولم يسبقه في ذلك إجماع قاطع ؛ ليكون حجة عليه ، وما عدا ذلك من الأدلة فهي / عرضة للتأويل ، والمعارضة « 3 » . قولهم : إن فجاءة كان يقول : أنا مسلم عند الإحراق ، لم يثبت . وإن ثبت فلعله ثبت عنده أنه كان زنديقا ، والزنديق غير مقبول التوبة على رأى صحيح « 4 » . قولهم : إنه قطع يسار السارق . قلنا : لعلّ ذلك كان من غلط الجلاد وأضيف إليه ؛ لأن أصل القطع [ كان ] « 5 » بأمره . ويحتمل أنه كان ذلك في المرة الثالثة على ما هو رأى أكثر أهل العلم . وأما وقوفه في مسألة الجدة ، ورجوعه إلى الصحابة في ذلك ؛ فليس بدعا من المجتهدين أن يبحثوا عن مدارك الأحكام ، ويسألوا من أحاط بها النقل والأعلام .
--> ( 1 ) قارن بالمغنى للقاضي عبد الجبار 20 / 353 من القسم الأول ، وشرح المواقف - الموقف السادس ص 301 . ( 2 ) قارن بالفصل في الملل لابن حزم 4 / 137 وما بعدها ، والمغنى للقاضي عبد الجبار 20 / 108 وما بعدها من القسم الأول . وشرح المواقف للشريف الجرجاني - الموقف السادس ص 301 ، 302 . ( 3 ) قارن بشرح المواقف - الموقف السادس ص 302 . ( 4 ) انظر أصول الدين للبغدادي ص 330 وما بعدها فقد وضح رأى الإمام مالك في الباطني والزنديق فقال « وقال مالك في الباطني والزنديق إن جاءنا تائبين ابتداء قبلنا التوبة منهما . وإن أظهرا التوبة بعد العثور عليهما لم تقبل التوبة منهما ، وهذا هو الأحوط فيهم » . ( 5 ) ساقط من ( أ ) .